ابن أبي الحديد
109
شرح نهج البلاغة
قال : " ويستفيضون إلى جواره " ، أي ينتشرون في طلب حاجاتهم ومآربهم ، ساكنين إلى جواره ، فإلى هاهنا متعلقة بمحذوف مقدر ، كقوله تعالى : ( في تسع آيات إلى فرعون ) ( 1 ) ، أي مرسلا . قال : " فلا إدغال " ، أي لا إفساد ، والدغل : الفساد . ولا مدالسة أي لا خديعة ، يقال ، فلان لا يوالس ولا يدالس ، أي لا يخادع ولا يخون ، وأصل الدلس الظلمة والتدليس في البيع : كتمان عيب السلعة عن المشترى . ثم نهاه عن أن يعقد عقدا يمكن فيه التأويلات والعلل وطلب المخارج . ونهاه إذا عقد العقد بينه وبين العدو أن ينقضه معولا على تأويل خفى أو فحوى قول ، أو يقول : إنما عنيت كذا ، ولم أعن ظاهر اللفظة ، فإن العقود إنما تعقد على ما هو ظاهر في الاستعمال متداول في الاصطلاح والعرف لا على ما في الباطن . وروى " انفساحه " بالحاء المهملة ، أي سعته . * * * [ فصل فيما جاء في الحذر من كيد العدو ] قد جاء في الحذر من كيد العدو والنهى عن التفريط في الرأي السكون إلى ظاهر السلم أشياء كثيرة ، وكذا في النهى عن الغدر والنهى عن طلب تأويلات العهود وفسخها بغير الحق . فرط عبد الله بن طاهر في أيام أبيه في أمر أشرف فيه على العطب ، ونجا بعد لأي ( 2 ) فكتب إليه أبوه : أتاني يا بنى من خبر تفريطك ما كان أكبر عندي من نعيك لو ورد ، لأني لم أرج قط ألا تموت وقد كنت أرجو ألا تفتضح بترك الحزم والتيقظ . وروى ابن الكلبي أن قيس بن زهير لما قتل حذيفة بن بدر ومن معه بجفر الهباءة .
--> ( 1 ) سورة النمل 12 . ( 2 ) بعد لأي بعد جهد